عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

171

خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )

الحكاية الثالثة والتسعون عن الشيخ أبي المفاخر عدي ابن الشيخ أبي البركات بن صخر قال : رأى والدي رجلا يصلّي ، وهو يعبث بيديه عبثا كثيرا يبطل الصلاة ، فنهاه فلم ينته وأكثر من العبث كالمعاند للشيخ ، فقال له الشيخ : لتكفنّ عن العبث أو ليكفنّ اللّه يديك ، فتعطّلت يداه في الحال الحاضر حتى عادت كالخشب ، فعاد إلى الشيخ باكيا بعد أيام متضرعا فقال له الشيخ : ما ينفعك هذا إن هي إلا غضبة اللّه تعالى عليك ، قال : فلم تزل تلك حالة الرجل حتى مات . وكان الشيخ أبو البركات من أجلّاء مشايخ العراق ، وجهابذة العارفين ، وأكابر المقرّبين ، صاحب الكرامات الظاهرة ، والأحوال الفاخرة ، والمقامات الجليلة ، والمواهب الجزيلة ، والعلوم اللدنية ، والأسرار الإلهية ، والمعراج الأعلى في مدارج القدس ، والمنهاج الأسنى في مراتع الأنس ، والطور الثاني في الحقائق ، والعالي في المعارف ، والبصيرة الخارقة لحجب طوابق المكنون ، ممنوحا بمحاسن الشريعة ، راسخ القدم ، نافذ التصريف بالاطلاع والتعريف ، صحب عمه الشيخ الكبير أبا الفضائل المشهور المشكور المذكور عدي بن مسافر قدّس اللّه روحه ، وخلفه بالمشيخة بعد وفاته ، وهاجر إليه إلى جبل الهكار في حياته ، وله كلام في الحقائق شريف نفيس رائق من ذلك قوله : المحبّة لذة ، ومواضع التحقيق منها الدهش والحيرة ، ويلزمها الشوق ، وهو توق النفس إلى رؤية المحبوب ، فإذا امتلأ القلب من حب حبيبه على كثرة ما يصيبه التجأ إلى الذل والخضوع ، وانفجرت العيون بالدموع ، وأنفذت في السرائر خمرة إرادة رؤية المحبوب على قلة الصبر ، فالشوق يقع على الرؤية ، والمحبة تقع على اللذات ، والقلب الجذوع هلوع ، والسر المنوع فجوع . ومن سكر بكأس المحبّة لا يصحو إلا بمشاهدة محبوبه ، فإن السّكر ليلة صباحها المشاهدة ، كما أن الصدق شجرة ثمرتها المجاهدة ، ثم تزايد وبكى . وأتيته وأنشد : إذا جاز ركب الشّوق في ربع لوعتي * جعلت له باد الأنين دليلا وقد عاد ليل الغيب مقمرا بالرّضا * فعوضني منه الكثير قليلا